tda_logo
EN

التمييز ضد المرأة في المجتمع السوري: إدراك العنف الأسري

تم النشر بتاريخ: الثلاثاء 26 / أيلول / سبتمبر / 2017

بهدف التعرف على إدراك العنف الأسري ضد المرأة في المجتمع السوري، قامت “اليوم التالي” بإجراء مسح شمل ستة محافظات سورية في مناطق سيطرة كل من المعارضة والنظام والإدارة الذاتية الديمقراطية، بالإضافة إلى مخيمات اللاجئين في تركيا. اعتمد المسح على عينة طبقية متعددة المراحل بالاعتماد على التخصيص النسبي (رجال/نساء) وبلغ عدد المستجيبين 2091: 1120 رجلاً و971 امرأة. تم جمع البيانات باستخدام الاستبيان ومن خلال مقابلات وجاهية قام بإجرائها باحثو اليوم التالي المدربون. يعرض هذا التقرير نتائج تحليل البيانات.

بدأ البحث بمحاولة التعرف على إدراك المستجيبين لانتشار العنف الأسري ضد المرأة، فوجد أن النساء أكثر دراية بحوادث اعتداء من هذا النوع من العنف، وأن الحرص على الأبناء و “الخجل والرغبة في عدم إطلاع الآخرين على المشاكل” بالإضافة إلى غياب جهة تثق بها المرأة يمكن أن تحميها كانت الأسباب الأبرز التي تجعل المرأة السورية المعنفة تلتزم الصمت. بلغت نسبة النساء اللواتي قلن إنهن تعرضن لعنف داخل المنزل 21.2%، تقريباً ضعف نسبة الرجال الذين أفادوا بنفس الإجابة. في 61.5% من حالات حدوث الاعتداء كان الفاعل هو الزوج، لكن نسبة قليلة جداً منهن (أقل من 7%) قمن بالتبليغ عن الاعتداء لأحد الجهات المعنية. بشكل عام، لا تبلغ النساء عن العنف الواقع ضدها داخل المنزل. كما كشفت النتائج عن أن أكثرية حوادث العنف الأسري (69.2%) تحدث في حضور قاصرين (أبناء، أو أقارب أو غيرهم). وفي أكثر من ثلث هذه الاعتداءات يتعرض هؤلاء القاصرين إلى عنف أيضاً.

في الفصل الثاني تم التركيز على أحد أشكال العنف الأسري ضد المرأة الأكثر انتشاراً وهو العنف الزوجي. تعتقد النسبة الأكبر من الرجال (أكثر من الثلث) أن انتشار هذا النوع من العنف قليل أو نادر، بينما تقول النسبة الأكبر من النساء (43.3%) إنه منتشر إلى حد ما أو إن انتشاره كبير. وأظهر تحليل النتائج وجود علاقة إيجابية متوسطة الشدة بين التعرض للعنف داخل المنزل والاعتقاد بمدى انتشار العنف الزوجي، فالذين تعرضوا بشكل شخصي لعنف داخل المنزل يميلون للاعتقاد أن انتشار العنف الزوجي واسع بشكل ما. على الرغم من وجود شبه إجماع على أن الاعتداء الجسدي وحجز الحرية هي حالات عنف تستوجب المسائلة القانونية، حوالي ثلث المستجيبين لا يعتقدون أن ذلك ينطبق على التهديد والاعتداء اللفظيين. لكن النظر إلى البيانات على أساس الجندر يظهر الفرق الكبير في المواقف، حيث أن نصف الرجال لا يريدون معاقبة مرتكب الاعتداء الجسدي وأكثريتهم ترفض هكذا عقوبة لمرتكب حجز الحرية. بالإضافة لما سبق ذكره، تم تحديد الفئات الاجتماعية والديمغرافية التي يزداد فيها رفض محاسبة المعتدي في كل من الحالات المذكورة.

لتكوين فهم أعمق لإدراك المستجيبين للعنف الزوجي ضد المرأة، خصصت الدراسة الفصل الثالث للخوض في تفاصيل المبررات التي تسوّغ هكذا عنف فوجدت قبول واسع للتبرير الديني (الشرع يسمح بضرب الزوجة في بعض الحالات) ولتحميل المرأة المسؤولية عن العنف الواقع ضدها على اعتبارها هي من تدفع الزوج للعنف في بعض الحيان، ففي الحالتين كانت نسبة الذين رفضوا هاذين التبريرين بحدود الـثلث. أما التبرير بالمقارنة (حالات العنف ضد الزوجة قليلة في سوريا بالمقارنة مع البلدان العربية المجاورة) فيبدو أنه الأكثر شيوعاً (عارضه فقط 16.9%) والتبرير الأقل انتشاراً هو الذي يحمل المرأة المسؤولية بكونها غير متعلمة (النساء اللواتي تعرضن أو يتعرضن للعنف من قبل أزواجهم عادة هنّ نساء غير متعلمات) حيث وصلت نسبة المعارضة إلى حدود الـ 45%. لكن المثير للاهتمام هو الاختلاف الكبير في الخصائص الديمغرافية والاجتماعية للفئات التي ينتشر بينها هذا التبرير الأخير بالمقارنة مع التبريرات الأخرى: العلمانيين وليس الإسلاميين، الأقليات وليست الأكثرية السنية أو العربية، وفي المدن الكبرى (دمشق وحلب وحمص).

في الفصل الأخير من هذا التقرير تم تناول قضية جد حساسة والمعروفة باسم جرائم “الشرف”. على الرغم من أن الحسكة تأتي في مقدمة المناطق يقول فيها المستجيبون إنهم سمعوا بحادثة من هذا النوع وقعت خلال العام الماضي، إلا أنهم الأكثر تأييداً للتعامل معها كأي جريمة قتل أخرى. فالموقف العام ينحاز لصالح التعامل مع هذا النوع من الجرائم بشكل مختلف عن جرائم القتل الأخرى. مع ذلك، النساء أكثر تشدداً من الرجال في هذه المسألة حيث قال حوالي ثلثهن في كل الحالات تقريباً (باستثناء في حال وجود علاقة غير شرعية) إنه يجب التعامل معها مثل أي جريمة قتل أخرى، مقابل حوالي ربع الرجال. يبدو أنهم (رجال ونساء) يميلون بشكل كبير نحو تخفيف الحكم عن القاتل في حال اكتشاف علاقة غير شرعية للضحية. لذلك يتطلب التأثير في هذه الآراء جهوداً جبارة.

لم تكتف هذه الدراسة بتقيم تقديرات عن طبيعة انتشار العنف الأسري وإدراكه في المجتمع السوري وإنما خاضت في أدق التفاصيل، حيث قامت بتحديد الخصائص الديمغرافية والاجتماعية للفئات التي يزداد فيها رفض التعامل مع جرائم الشرف كأي جرائم قتل أخرى ورفض المسائلة القانونية للمعتدي في حالة العنف الزوجي والتبريرات التي ترافق هكذا اعتداءات. كل ذلك من شأنه أن يساعد المنظمات والسلطات القادمة في رسم الخطط والبرامج اللازمة للعمل على تحقيق ما كان قد بدأه ناشطون سوريون في وقت سابق في عام 2005 تحت عنوان “الحملة الوطنية لمناهضة جرائم الشرف” وغيرها من نشاطات رامية لإنهاء كل أشكال التمييز ضد المرأة في سوريا.

 

View Fullscreen