tda_logo
EN

في الدفاع عن “المجتمع المدني -سلام الكواكبي (موقع السورية-20/10/2011)

تم النشر بتاريخ: الثلاثاء 27 / تشرين أول / أكتوبر / 2015

picture-119-1407144996

“لغة” حقوق الإنسان ومفاهيمها، التي انتشرت بقوة في التشريعات والمعاهدات العابرة للقرن العشرين، بدت للكثيرين في المنطقة العربية وكأنها استيراد “مُغرِض” من لدن القوى “الاستعمارية” التي تبحث عن العودة من النافذة بعد الخروج من الباب (…). وقد أدى ذلك إلى أنها وقعت ضحية حروب عصماء من قبل الثنائية المتلازمة دائما: الأنظمة المستبدة والقوى الظلامية. وعلى نفس المسار، تعتبر مفردات ومفاهيم “المجتمع المدني” أيضاً عرضةً للانتقاد والهجوم والتشكيك من كل حدب وصوب. هذا الهجوم لا يصدر عن السلطات المستبدة سياسياً أو دينياً فحسب، بل هو يصدر أيضاً عن “نخب” ثقافية وسياسية تدّعي، أو هي تتبنّى، الاستقلال عن سياسات الحكومات وترتبط في المقابل بإيديولوجيات صلبة الأسس مخلخلة التطبيق.

في أتون هذه الروح العدائية لدى جزء غير بسيط من النخبة، حاولت بعض الجهات العلمية أن تطوّع مفهوم المجتمع المدني عربياً في سعيها إلى توطينه بعيداً عن تهم الاستيراد والتأثير من “الآخر” السيء بالمطلق. وأدت تلك المحاولات إلى أن يستند البعض في إطار سعيه الدؤوب في تعزيز القبول بهذا المفهوم “الدخيل” إلى تطوير مفهوم “المجتمع الأهلي” ليشمل ما يُراد به مجمل المجتمع المدني. وقد أظهرت هذه المحاولات ضعفاً منهجياً وبعداً عن الواقع وعن الممارسة.

أن تتصدّى السلطات (والعقول) المستبدة بمختلف أقنعتها السياسية أو العسكرية أو الدينية لعملية تأصيل المفهوم وتبنّيه في المجتمعات العربية في بدايات القرن الواحد والعشرين، فمن الممكن أن يعتبر هذا رد فعل طبيعي ممن يخشى على سطوته من التأثّر أو التضعضع نتيجة الوعي بدور المجتمع المدني، ليس التنموي فحسب، بل أيضاً التوعوي في مجالات الحقوق والرقابة على الأداء وتعزيز الشفافية. بالمقابل، أن يتبرّع أفراد أو مجموعات “يُعوّل” عليها عند الحديث عن النخبة وعن موقعها المتقدم للصف في السير بالمجتمعات نحو التقدم والنمو والتحرر، فالأمر يبدو محدوداً على الفهم أو القبول. ويمكن، عند البحث في الأسباب، أن يعمد الملاحظ إلى وضع الإيديولوجيا في المرتبة التبريرية الأولى. فبما أن الاعتقاد السائد، وربما هي الحقيقة أيضاً، بأن المفهوم قد انتشر أولاً في دولٍ تبنّت المنظومة الرأسمالية اقتصادياً، فقد يدفع هذا الى التخندق التلقائي في مواجهته وفي محاربته.

من السهل لوم من يلام دائماً بجدارة واستحقاق، أي الرافض والمتخندق والمشكك. ولكن لا بد من الإضاءة على دور الفاعل المدني خصوصاً في المجتمعات حديثة التبني أو التعرّف بالمفهوم. كما كذلك إلى دور الفاعل “الأجنبي” الذي يمارس غالباً دور التمويل والإرشاد. فمن جهته، يقوم بعض الفاعل المدني حديث العهد بالمفهوم وبالممارسة، بإقحام أبعاد سياسية ومصالحية وزبائنية لممارسته المستحدثة. كما يساهم بعض الفاعل الأجنبي، عن دراية أو دونها، باستعلاء أو بتجاهل، في تعزيز فئة محدودة الدور والتأثير، تشبهه في الممارسة العامة، ويضع فيها ثقته الكاملة، والتي لا يلبث أن يفقدها لدى أول امتحان مهني أو مالي.

جهات عدة تتقاسم الإساءة إلى المفهوم الجديد والمتجدد. وهي تسيئ أولاً واساساً إلى المؤمنين به والعاملين فيه وتعطي الذريعة الأجمل للمستبدين على أهواءهم بالانقضاض كالذئاب المسعورة عليه. كما أنها تساعد أصحاب الايديولوجيات التلقائية والمتصلبة في تعزيز حججهم الانتقادية والتشكيكية بالمفهوم ومريديه.

على الرغم من كل هؤلاء “الأعداء”، يبقى المجتمع المدني دعامة أساسية في عملية بناء وتقدم المجتمعات المتطلعة لتعزيز حرياتها أو في استنباطها من رماد الاستبداد والتسلط. ومهما تعاقبت الانتقادات الايديولوجي منها والبنيوي منها، الظالم منها والمُحق منها، ستظل مؤسسات المجتمع المدني التي تحمي نفسها من أمراض الاستبداد وممارساته، والتي تستطيع اقناع المانح الأجنبي، إن هي احتاجته، بأجندتها بشفافية كاملة وانفتاح معزّز، قادرة على أن تكون نقطة أساس في عمليات التحول السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وستظل الأمنوقراطيات كما الظلاميات في تحسب دائم ومستمر من المجتمع المدني في كافة تجلياته. ومنها من يحاول، وينجح أحياناً، بالسيطرة عليه من خلال منظمات غير حكومية “شديدة الحكومية” أو مرتبطة “بسيدة القصر”، تحت مسميات مدنية لا تخفى على ساذج. وإن لم ينفع هذا “التأميم”، فاللجوء إلى القمع وتجفيف المنابع وتخوين المقاصد هو ديدن الاستبداد القديم أو المستجد. ومن سخريات المنطق، أن أكثر السلطات المستبدة رقابة على تمويل المنظمات غير الحكومية، تكون هي الأكثر اعتماداً في بقاءها واستدامة قمعها، على أموال أجنبية، جزء هام منها يأتي من داعمي المنظمات غير الحكومية ذاتهم. الانفصام هو دين جديد تعتنقه مجموعات حاكمة أو إيديولوجيات عابرة للمحن وللخيبات.