tda_logo
EN

الفصل 2. العدالة الانتقالية


2. الفصل الثاني: العدالة الانتقالية.

2.1. ملخص التوصيات.

2.2. الأهداف، المبادئ والتوجيهات.

2.3. السياق

2.4. التحديات

2.5. استراتيجيات وتوصيات تفصيلية.

2.6. المصادر المختارة

رزحت سوريا ولعقود عديدة تحت حكم نظام قمعي دكتاتوري وهي تواجه الآن  العنف الذي تعرض له المجتمع خلال الثورة التي قامت للإطاحة بهذا  النظام. ولم تكن نتيجة ذلك انهيار نظام الدولة وعدم شرعية المؤسسات فحسب، بل نتج عن ذلك أيضاً صدمات واسعة النطاق وتشتت في المجتمع.  مع تحقيق العدالة لضحايا الانتهاكات، وكشف الحقيقة وإحقاق الحق لكل من عانى خلال حكم البعث والثورة، وتحقيق التصالح بين مختلف الشرائح التي باعد النزاع فيما بينها،  ستكلل المرحلة الانتقالية بدرجة أعلى من النجاح في سوريا  وسيساعد هذا في اكتمال عملية التعافي المجتمعي. في هذا الفصل تجمع الاستراتيجيات المقترحة هنا ما بين الأساليب الرسمية وغير الرسمية لمحاسبة المتورطين بالجرائم وتفتح الطريق أمام المصالحة الوطنية السورية. وهي تضمن سيادة وطنية سورية لعملية  العدالة الانتقالية مع إتاحة الفرصة لتقديم الدعم الدولي.

2.1. ملخص التوصيات

  • تشكيل لجنة تحضيرية للعدالة الانتقالية بشكل فوري لتقوم بصياغة استراتيجية للعدالة الانتقالية والبدء بتنفيذها والتخطيط لحماية السجلات والوثائق والبدء بالتواصل مع الشعب السوري للعمل على تفادي الهجمات الانتقامية وزيادة الوعي بآليات العدالة الانتقالية ورصد الاهتمام الدولي والنظر في إطارات العمل المناسبة لتنسيق ودمج آليات العدالة الانتقالية المتعددة وإعداد الكوادر ليعملوا في مؤسساتها.
  • عند حدوث الانتقال، يتم تحويل اللجنة التحضيرية إلى لجنة وطنية مستقلة للعدالة الانتقالية بتفويض رسمي يخولها التنسيق والإشراف على جدول أعمال العدالة الانتقالية على المستوى الوطني لضمان دمج وتناسق وتناسب عناصرها المختلفة والعمل على  التوفيق بين المبادرات والتعامل مع أي تباين في صياغة وتطبيق السياسات المتبعة.
  • تأسيس محكمة جنائية خاصة ككيان قضائي مستقل مؤقت ضمن النظام القضائي السوري، وذلك وفقاً للمعايير الدولية وتحت سيادة الدولة السورية لمحاكمة الأفراد ذوي المناصب العليا، مثل كبار المسؤولين في نظام الأسد وأفراد عائلة الأسد ومرتكبي الجرائم ضد الانسانية على أن يتم محاكمة الأفراد ذوي المناصب الأدنى من خلال الإجراءات القضائية الاعتيادية المتعارف عليها.
  • منح العفو المشروط والفحص والتدقيق فيهبدلاً من منح عفو عام.
  • تشكيل لجنة تقصي حقائق للبدء بعملية البحث عن الحقيقة بشكل واسع وشامل وجمع روايات ومقاطعتها  مع الأحداث الأخيرة خلال الثورة. وستعمل تحت هذه اللجنة لجان فرعية إحداها تاريخية تتعامل مع انتهاكات فترة ما قبل الثورة والثانية ستتعامل مع فترة الثورة نفسها.
  • وضع نظام للتعويض بعدة أشكال، منها التعويض المادي والرمزي ورد الأموال إلى أصحابها وإعادة التأهيل وضمانات عدم عودة الممارسات الخاطئة وتقديم اعتذارات رسمية.
  • تمكين المصالحة الوطنية على المدى البعيد من خلال تدريس الثورة في المناهج الدراسية وكتب التاريخ  وإقامة النصب التذكارية والدعم النفسي والاجتماعي والحوار والتواصل الوطني.

2.2. الأهداف، المبادئ والتوجيهات

الهدف العام للعدالة الانتقالية هو التعامل مع الموروث  المتراكم عبر عقود من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة. إذ تهدف العدالة الانتقالية إلى إعادة فرض المساءلة وتحقيق المصالحة، لتشمل كافة الضحايا، و تحميل كافة الجناة المسؤولية بغض النظر عن هوياتهم،  والقضاء بالمساواة في كافة إجراءاتها وعملياتها. وتمتاز عملياتها بأنها بالعقوبات  حيناً وبالتصالح والعفو حينا آخر، وهي تعيد بناء ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة إلى جانب ثقتهم ببعضهم البعض.

في سوريا ما بعد الأسد، ستكون أهداف العدالة الانتقالية هي:

  • تحقيق العدالة لضحايا  انتهاكات حقوق الإنسان الممنهجة والانتهاكات السابقة لما قبل الثورة وإيجاد  بدائل عن وسائل الانتقام خارج النظام القضائي التي من شأنها أن تُفاقم النزاع وتزيد من حدة الخلاف بين مكونات المجتمع السوري.
  • تقديم بعض الحقائق  الموضحة  لتصرفات الجناة والتجارب التي مر بها الضحايا.
  • إيجاد آليات متنوعة للمساءلة والشفافية بحيث تكون شاملة بشكل يمنع وقوع المزيد من الانتهاكات واسترداد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والمساهمة في تدعيم وشرعية سيادة القانون والمؤسسات الديمقراطية.
  • استرداد ثقة المواطنين بالدولة وبناء صورة مستقبلية جديدة إيجابية لسوريا بكل مكوناتها.
  • تمكين وتعزيز  الضحايا  من جهة والمجتمع ككل من جهة أخرى  للتعافي والشفاء بعد ما تعرضوا له من عنف واضطهاد واستبداد.

وقد التزم مشروع اليوم التالي في تطويره للأهداف الكلية للعدالة الانتقالية وتحديده لتوصيات معيّنة بثلاث مبادئ شاملة وهي:

المبدأ الأول: تعددية الآليات: لا يوجد منهج واحد يناسب كافة أوجه العدالة الانتقالية. والأنسب هو وجود عدة آليات و منهجيات مختلفة، كما يجب تهيئة العملية لتتناسب مع السياق السوري. فعوضاً عن المحاكمات الشاملة أو العفو العام، تسعى العدالة الانتقالية إلى تطبيق نطاق  تكاملي من الآليات. وهي تشمل، دون حصر، محاكمة من كان مسؤولاً عن الجرائم؛ وتقّصي الحقائق؛ وآليات المساءلة التي لا تقوم على المحاكمة (بل تعتمد آليات مدنية وأهلية)؛ والتعويضات؛ والمشاورات الوطنية؛ وتخليد الذكرى وتعليم التاريخ والإجراءات التأهيلية التي من ضمنها الدعم النفسي والاجتماعي.

المبدأ الثاني: السيادة والشرعية: لا بد أن تكون العدالة الانتقالية في سوريا متماشية مع المعايير والأعراف الدوليةً، وخاصة فيما يتعلق بمحاكمة المسؤولين عن الجرائم وكيفية التعامل مع العنف القائم على التمييز الجنسي. وفي الوقت ذاته، ينبغي أن تشمل العدالة الانتقالية الظروف والسياقات الوطنية والمحلية وتتضمن معايير العدالة والإصلاح التي تتناسب مع ثقافة البلد. ويدرك مشروع اليوم التالي أنه في كل نقطة من نقاط وضع خطة إطار العدالة الانتقالية،  أن كل خيار سيكون له تأثير ونتائج على شرعية ومصداقية العملية، يزيد فيها وأو ينقص منها حسب استجابة كل خيار لمتطلبات الواقع. ويجب أن تبرز وتنتقى هذه الخيارات من خلال عملية حوار وتشاور  داخل الشعب السوري ولا بد أن تكون واضحة وصريحة. كما ينبغي أن تؤخذ النتائج السياسية لتلك الخيارات  بعين الاعتبار في كل مرحلة من مراحل العملية للمحافظة على المرونة والتفاعل مع سياق الأحداث وتغيرها.

المبدأ الثالث: المدى القصير والمدى البعيد: من أهم مميزات تحقيق العدالة هي آنيتها. وفي سياق تغيير الأنظمة، لا بد أن تفي العدالة الانتقالية بالمطالب العاجلة في موضوع المساءلة الفورية وتساعد على استرداد سيادة القانون و تقرر بوضوح القطيعة مع النظام السابق. من المزايا الأساسية الأخرى للعدالة الانتقالية هو أنها عملية طويلة الأجل. فتعافي الضحايا واسترداد ثقة المواطنين وإصلاح المجتمع تتم كلها عبر فترة ممتدة من الزمن، وبالتالي، فإن أهداف العدالة الانتقالية تشمل مجموعة من المهام الواضحة المحددة التي ينبغي إنجازها بسرعة إلى جانب رعاية عمليات سياسية وثقافية ونفسية-اجتماعية متواصلة.

، وبناء على هذه الأمور، يقوم مشروع اليوم التالي بتفصيل هذه المبادئ  بشكل أوضح لتحقيق العدالة الانتقالية في سوريا:

المبدأ الأول: الطابع الوطني لعملية العدالة الانتقالية مع وضع السيادة الوطنية والمصالح السورية في قلب العملية بحيث يتم استدعاء الخبرات الأجنبية في حال الحاجة إليها مع الاحترام الكامل للسيادة السورية.

المبدأ الثاني: المشاركة الفاعلة والشاملة لجميع السوريين من خلال عمليات محلية تشمل كافة أطياف المجتمع؛ وهذا يعني أنه عند وضع إطار وطني وآليات شاملة،  أن تكون لها أصداء متباينة على مستوى المجتمع مع الاعتماد على المبادرات والموارد المحلية بشكل كامل.

المبدأ الثالث: وعي التنوع الديني والطائفي والثقافي في سوريا واحترام ذلك التنوع وتسخيره لخدمة السوريين.

المبدأ الرابع: الإدراك والاحترام التام لتنوع الظروف والتجارب الفردية وطبيعة الانتهاكات التي تعرض لها  السوريون ضمن العملية الوطنية.  والتأكيد على عدم استعمال الطائفة أو الخلفية أو أي هوية أخرى كمعيار  لتصنيف أي من السوريين كضحايا أو جناة.

المبدأ الخامس: المرونة والابتكار في اختيار  منهجيات وأدوات تتماشى مع السياق السوري  واحتياجات السوريين المختلفة  في فترة ما بعد الأسد.

المبدأ السادس: دمج إشراك عدة عناصر ومستويات من الحكومة والمجتمع المدني في شراكة فعالة من أجل المساهمة الكاملة في تدعيم الشرعية المؤسساتية والتفاعل الوطني.

المبدأ السابع: شفافية ومصداقية العملية.

المبدأ الثامن: التركيز على  منهجية بناءة ذات شفافية ومصداقية  في تحقيق العدالة وإصلاح أي تمزق في النسيج الثقافي والديني السوري كوسيلة لاسترجاع قيم الكرامة والمواطنة واسترداد الثقة بالعدالة وسيادة القانون في أوساط السوريين.

2.3. السياق

مهما كان الوقت أو الكيفية التي سيحدث بها انتقال النظام، فسوف تكون سوريا في مواجهة تركتين. الأولى هي التاريخ الطويل من الانتهاكات الذي ترجع جذوره إلى استحواذ حزب البعث على السلطة في آذار/مارس من عام 1963، والثانية هي الفظاعات التي ارتكبت أثناء فترة الثورة التي بدأت في آذار/مارس2011. وفي كلتا الفترتين، تم انتهاك حقوق الإنسان من قبل حكومات الأسد المتلاحقة ومن قبل خصومها مع تباين درجات المسؤولية التي تتحملها الدولة عن تلك الانتهاكات، كما ورد في تقرير اللجنة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية العربية السورية التي شكلها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، “فقد فشلت الحكومة [السورية] بشكل ظاهر في تحمل مسؤوليتها في حماية شعبها. فمند تشرين الثاني 2011، قامت قواتها بارتكاب انتهاكات منتظمة واسعة النطاق لحقوق الإنسان. كما قامت المجموعات المناهضة للحكومة بارتكاب الانتهاكات كذلك، على الرغم من أنها لا تقارن من حيث الحجم والتنظيم بتلك التي ارتكبتها الدولة” (الصفحة 1. يرجى الاطلاع على النص الكامل في “المراجع” أدناه). ولهذا لا بد من التعامل مع كلا الفترتين في عملية العدالة الانتقالية، ومع كل الجناة بغض النظر عن النتاج النهائي للانتهاكات لأي طرف.

لقد تعرض كل سوري تقريباً للاضطهاد المنتظم الذي مارسته الحكومة السورية منذ عام 1963، بما في ذلك انتهاكات منتظمة واسعة النطاق لحقوق الإنسان الأساسية. ويتراوح ذلك ما بين انتهاك الحقوق المدنية والسياسية الأساسية مثل حرية التعبير عن الرأي والتجمع إلى انتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية بما  فيها مصادرة الأملاك الخاصة. وقد أُكسبت بعض تلك الانتهاكات صفة رسمية بموجب مراسيم حكومية مثل فرض عقوبة الإعدام على كل عضو في جماعة الإخوان المسلمين (انظر الفصل الأول). كما تم ارتكاب انتهاكات أخرى من قبل أشخاص ليسوا ضمن النظام ولكنهم يعملون معه مثل الميليشيات الموالية التي تعرف باسم “الشبيحة”. على الرغم من أن  مجموعات الشبيحة كانت ناشطة قبل الثورة، إلا أنهم لعبوا دورا رئيسيا في القمع العنيف للمظاهرات وفي عمليات القتل الطائفي منذ آذار/مارس 2011.

لقد استهدفت الإساءات التي ارتكبها النظام وأتباعه جماعات وأفراد معينين بسبب انتماءاتهم السياسية أو الإثنية أو الدينية. وقد شملت تلك الجماعات والأفراد أعضاء الأحزاب والحركات السياسية المحظورة من قبل الحكومة السورية مثل جماعة الإخوان المسلمين في سوريا والأحزاب الشيوعية إلى جانب أشخاص اشتُبه بضلوعهم في نشاطات معارضة للنظام أو تعاطفهم معها أو الجماعات القَبَلية أو الأقليات الإثنية مثل أكراد سوريا والأقليات الدينية مثل المجتمعات الآشورية واليزيدية.

إن استحواذ العلويين على مراكز القوة في الحكومة السورية منذ منتصف الستينيات أصبغ صفة طائفية دائمة على الانتهاكات التي ارتكبها النظام، بما في ذلك فترة الخلاف الممتد مع جماعة الإخوان المسلمين في سوريا. وقد بلغت تلك الانتهاكات ذروتها في شباط/فبراير من عام 1982 عندما وقعت مجزرة حماة حيث قُتل عشرات الآلاف من المدنيين على يد القوات الحكومية. كما لعبت الهوية الطائفية دوراً كبيراً في الانتهاكات التي ارتكبها معارضو النظام ضد العلويين السوريين. ويود مشروع اليوم التالي التشديد على أن الهوية الطائفية أو غيرها ليست مؤشراً على تصنيف أي من السوريين كضحية أو مجرم. فالعديد من العلويين هم ضحية لانتهاكات حقوق الإنسان. وقد يكون أفراد من السنة أو الأكراد أو أفراد من مجتمعات أخرى الذين يُنظر إليهم في الغالب كضحايا ضالعين في الممارسات القمعية الحكومية.

2.4. التحديات

 تعتمد التحديات الخاصة بتطبيق العدالة الانتقالية في سوريا بعملية وطبيعة انتقال النظام إلى حد كبير. ومن بين المتغيرات الأساسية طول بقاء الحكومة الحالية في السلطة وكيفية حدوث الانتقال وما إذا كان هناك تدخل دولي أدى إلى سقوط نظام الأسد. فإذا ما تم الانتقال من خلال التفاوض في فترة محدودة من الزمن، فسوف يخلّف ذلك آثاراً محمودة مقارنة بانتقال يعقُب فترة طويلة من النزاع المسلح المتبوع بانهيار النظام. من ناحية أخرى، فإن الانتقال الذي يتم بالتفاوض ويشمل نوعاً من العفو المقدم لبشار الأسد و/أو رموز النظام  سيؤدي إلى تضاؤل فرص المساءلة والعدالة بلا شك. ولهذا السبب، فإن مشروع اليوم التالي يعارض العفو كجزء من التفاوض على انتقال السلطة.

ومهما كان سيناريو تغيير النظام، فإن جهود تحقيق العدالة الانتقالية ستواجه التحديات التالية بشكل عام:

التحدي الأول: انقسام المجتمع. لقد أدت الثورة التي قامت في مارس/آذار عام 2011 إلى تفاقم التوتر الطائفي والإقليمي في سوريا، وعمّقت الانقسامات الاجتماعية وخلقت فرصة كبيرة لتواصل العنف الاجتماعي أو الطائفي بعد انتقال السلطة. ومثل هذه البيئة بحاجة إلى التزام مستمر من الحكومة الجديدة بمبادئ العدل والمساواة في التعامل مع كافة الضحايا والجناة وفقاً للمعايير والأعراف الدولية. كما ستحتاج إلى التزام بمنع العنف وعملية عدالة انتقالية تعالج الانقسامات التي عانى منها المجتمع السوري نتيجة للعنف أثناء الثورة إلى جانب الالتزام بالمصالحة الوطنية على المدى البعيد.

التحدي الثاني: عدم كفاية الموارد الأساسية. فقد أدت العقوبات الدولية إلى إعاقة الاقتصاد السوري بشكل كبير وتلاشي الموارد الأساسية التي يمكن للسلطة التي تأتي ما بعد الأسد الاعتماد عليها في تطبيق العدالة الانتقالية. سيكون تأمين الموارد اللازمة لتطبيق عملية عدالة انتقالية شاملة ومتكاملة مصدراً آخر للقلق ينبغي على حكومة ما بعد الأسد التعامل معه. فعلى سبيل المثال، قد يستوجب الحصول على الدعم المالي الدولي موافقة السلطة الانتقالية على إلغاء عقوبة الإعدام كشرط للإفراج عن الأموال اللازمة لإدارة عملية العدالة الانتقالية محلياً.

التحدي الثالث: القدرة المحدودة والشرعية المهددة. لقد سيطر النظام على المؤسسات العامة بما فيها المؤسسات القضائية والنيابية واستخدمها كأداة للقمع. وقد تورط أو شارك العديد من المسؤولين والموظفين الحكوميين في الانتهاكات التي مارسها النظام. كما أنهم لم يحظوا بالكثير من التدريب الذي يخص وظائفهم، كالتدريب على جمع الأدلة بدلاً من أخذ الاعتراف عنوة بالإكراه مثلاً. وبالتالي، فإن شرعية المؤسسات والأفراد الحاليين وقدرتهم على تطبيق عملية عدالة انتقالية تفي بالمعايير والأعراف الدولية هي أمور غير مؤكدة. ولكن في نفس الوقت أيضا يرى مشروع اليوم التالي أنه توجد قدرة وطنية كافية في سوريا للاضطلاع بالعناصر المختلفة للعدالة الانتقالية، ويدرك  أن هناك حاجة إلى عملية تدقيق فعالة وشفافة للمسؤولين الرسميين. كما يقترح مشروع اليوم التالي أن تبقي حكومة ما بعد الأسد المجال مفتوحاً أمام دور دولي في تطبيق إطار عمل العدالة الانتقالية. وقد تم وضع حدود وشروط واضحة لهذا الدور في الخطة القادمة.

التحدي الرابع: الحاجة العاجلة إلى المساءلة. بعد انتقال السلطة، ستكون هناك حاجة عاجلة وملحة للعدالة والمساءلة من جهة الضحايا، مما سيضع الحكومة الجديدة تحت ضغط كبير للاستجابة بشكل سريع على الرغم من شح الموارد ومحدودية قدرة الدولة.  وقد يسعى بعض الضحايا إلى الثأر لأنفسهم بشكل مباشر عن بعض  من الانتهاكات الماضية والأخيرة،  التي تتراوح ما بين عمليات القتل خارج نظام القضاء إلى التعذيب والسجن والاغتصاب والحرمان من الجنسية والجرائم الاقتصادية والثقافية. إن التعامل مع  المعطيات على أرض الواقع والأخذ بآراء الضحايا والقدرة على التفاعل مع المستجدات والقدرة على الاستجابة للمطالب كجزء من تصميم إطار عمل العدالة الانتقالية سيكون أمراً جوهرياً كي يتحلى ذلك الإطار بالمصداقية والشرعية.

2.5. استراتيجيات وتوصيات تفصيلية

يتضمن الشكل رقم 2-1 خطاً زمنياً لتنفيذ الاستراتيجيات الموضحة أدناه.

 الشكل رقم2-1 : الخط الزمني للعدالة الانتقالية

 

– الاستراتيجيات السابقة للعملية الانتقالية1

يوصي مشروع اليوم التالي بتنفيذ البنود الواردة أدناه بشكل فوري، وقبل سقوط النظام، كخطوات تحضيرية لعملية العدالة الانتقالية.

الاستراتيجية الأولى: تشكيل لجنة تحضيرية للعدالة الانتقالية

—  يتوجب في أسرع وقت ممكن أن يتم تشكيل لجنة تحضيرية تقوم باتخاذ الخطوات العملية المقترحة أدناه. ويجب أن تتضمن هذه اللجنة أشخاصاً معروفين من مختلف أوساط المجتمع وخبراء من عدة مجالات تتعلق بجدول أعمال المرحلة الانتقالية (خبراء في القانون، دفع المجتمع إلى المساهمة الفعالة، وسائل الاتصال، تقنية المعلومات، إلخ.). لا بد في هذه المرحلة التحضيرية أن تكون القدرات الفردية عاملاً أساسياً في تشكيل اللجنة، كما سيكون من المهم توافر مستوى معين من التمثيل لضمان دعم برنامج العدالة الانتقالية من قبل مختلف مكونات الشعب السوري، وتنفيذ برنامج تواصل فعال خلال الفترة التحضيرية.

  • سيتم استبدال هذه اللجنة التحضيرية بعد مرحلة انتقالية، لتحل محلها اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية، مع نقل كافة الموارد والوثائق ذات الصلة. الرجاء مراجعة ما سيذكر عن هذا الموضوع في الصفحات التالية.

الاستراتيجية الثانية: الإعداد لحماية وتقييم المعلومات

  • إعداد خطة احتياطية لحماية وتأمين الملفات والوثائق التي تم جمعها من قبل أجهزة الأمن الحالية، إضافة إلى الوثائق الرسمية مثل سجلات الملكية والسجلات القضائية والمدنية. يجب التواصل مع أفراد ضمن أجهزة الأمن الحالية لدعم تطبيق خطة الطوارئ، بما في ذلك إعداد نسخ من الملفات. ويجب أن تتضمن خطة الطوارئ حماية المباني التي تحتوي على المستندات ذات الصلة. ومع الأخذ بعين الاعتبار أن الأيام الأولى من أي عملية انتقالية تكون ذات أهمية قصوى من حيث الحماية، فإن الحالات التي تم تسجيلها في بعض الدول تظهر أن هذه المسألة يجب أن تحظى بأولوية عالية.
  • يجب البدء فوراً بجمع وتنظيم المعلومات المتعلقة بعملية العدالة الانتقالية والتي تم تجميعها أثناء فترة الثورة. كما يجب تقييم جودة المستندات (بما في ذلك المعلومات التي يمكن استخدامها فيما بعد كأدلة جنائية). ويجب أن يتم ذلك بالتعاون مع مشاريع أخرى مثل المركزالسوري للعدالة والمساءلة والذي هو قيد الإنشاء من قبل منظمة “لا سلام بدون عدالة”  وهي منظمة غيرالحكومية (تعمل تحت مظلة مجموعة أصدقاء سوريا) لمعالجة ما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان.
  • العمل مع النظراء في مجال سيادة القانون وإصلاح القطاع الأمني لجمع المعلومات وتوثيقها من أجل عملية التحري والتدقيق المتعلقة برموز النظام (يرجى مراجعة الفصول 1 و3).
  • العمل مع النظراء في مجال سيادة القانون وإصلاح القطاع الأمني لوضع معايير ومواصفات للفئات المختلفة من الجناة وتحويلهم إلى الإجراءات القضائية وغير القضائية المختلفة (يرجى مراجعة الفصول 1 و3).

الاستراتيجية الثالثة: إطلاق مساعي التوعية والتواصل مع الشعب

  • إعداد حملة عامة للتوعية بوجود بدائل تغني عن العمليات الانتقامية، والمساهمة في تطوير استراتيجيات لمنع العنف والتواصل مع دعم المجموعات التي بدأت بالفعل بالعمل على هذه القضايا. والبدء بجهود التواصل ونشر أفكار وأهداف ومبادئ العدالة الانتقالية ومناقشتها ضمن السياقات المحلية. وكذلك البدء بحوار وطني بحيث يتم أخذ كافة الظروف والتصورات على تنوعها بعين الاعتبار عند وضع جدول أعمال العدالة الانتقالية، بما في ذلك نصوص وتسميات المبادرات المختلفة.
  • ترشيح “سفراء محليين” في مختلف مناطق سوريا لنقل أفكار العدالة الانتقالية قبل انهيار النظام وتعبئة شبكات النشطاء المحليين. هذا بالإضافة إلى  التواصل مع شخصيات وطنية مرموقة (أو شخصيات إعتبارية،  ذات نفوذ ثقافي واحترام في السياق المحلي) وجمعيات مدنية هامة متعاطفة مع هذه المبادرة من أجل المساعدة في زيادة الوعي.
  • ولا بد أن تستهدف مساعي التواصل المجموعات التي يُتوقع أن تناصر مبادئ العدالة الانتقالية إلى جانب تلك التي من الأرجح أن تنبذها. وسيكون من المهم على نحو خاص التواصل مع الجماعات الدينية والنسائية المحلية كي تساهم في جهود التواصل والنشر، وذلك لدعم الجوانب الإصلاحية والتعافي في عملية العدالة الانتقالية. وينبغي أيضاً مخاطبة كافة أحزاب المعارضة السورية. سيساعد هذا الشمول على ضمان شرعية وسلطة اللجنة الوطنية القادمة للعدالة الانتقالية (يرجى مراجعة الصفحات التالية).
  • صياغة مسودة الميثاق الأخلاقي الوطني (قواعد السلوك) من أجل إرساء معايير ومبادئ مشروع العدالة الانتقالية، والسعي إلى الحصول على دعم كافة عناصر المجتمع السوري لهذا الميثاق.

الاستراتيجية الرابعة: النظر في كيفية تكامل المؤسسات والعمليات القضائية والقضائية الموازية وغير القضائية

  • العمل مع النظراء المناسبين في مجال سيادة القانون وقطاع الأمن لتقييم الكيانات والمؤسسات الوطنية القائمة التي قد يكون لها دور في العدالة الانتقالية. قد يتضمن ذلك النظام الرسمي القائم إلى جانب الآليات غير الرسمية والتقليدية.
  • العمل مع النظراء المناسبين في مجال سيادة القانون وقطاع الأمن لتقييم إطار العمل القانوني الذي يمكن تطبيقه في العمليات القضائية إلى جانب القوانين الفردية التي قد تكون بحاجة إلى مراجعة.
  • العمل مع النظراء المناسبين في مجال سيادة القانون وإصلاح قطاع الأمن لوضع المعايير اللازمة لصياغة الفئات المختلفة من الجناة وتحويلهم إلى الإجراءات القضائية وغير القضائية المناسبة.
  • التفاعل مع العاملين في آليات العدالة التقليدية أو الشعبية بما في ذلك المحاكم الثورية وذلك فيما يتعلق بالدور الذي قد يؤدونه في عملية العدالة الانتقالية.
  • البدء بوضع النشاطات والمشاريع التي تعتبر منهجيات بديلة ومكملة للعدالة وتركز على التعافي والإصلاح والبدائل البناءة التي يمكن الاستعاضة بها عن الإجراءات الانتقامية والعقابية. وقد يشمل ذلك المسرح والفنون، بالإضافة إلى تخليد ذكرى الراحلين بشتى الطرق.
  • تقييم ومناقشة النتائج السياسية للتركيبات المختلفة من العمليات القضائية وغير القضائية التي سيتم اقتراحها للتطبيق.

الاستراتيجية الخامسة: رصد الاهتمام الدولي

  • مناقشة درجة المشاركة الدولية التي قد تكون مطلوبة وتقييم النتائج المحتملة لتلك المشاركة، بما في ذلك احتمال فقدان السيطرة المحلية في حال مشاركة أجهزة قضائية أجنبية في المحاكمات. وتقديم المشورة للمعارضة السورية حول كيفية التعامل مع المطالب الدولية المتعلقة بالعدالة الانتقالية وتقديم التوصيات فيما يتعلق باستراتيجيات الاستجابة لتلك المطالب.

الاستراتيجية السادسة: إعداد الكوادر والشركاء المحليين

  • يجب أن يتم إنشاء قاعدة بيانات آمنة في أقرب وقت ممكن تتضمن منظمات غير حكومية وخبراء مناطقيين وإقليميين ووطنيين ودوليين بالإضافة إلى قدرات وموارد كل منهم في مجال العدالة الانتقالية. ويجب أن تتضمن قاعدة البيانات هذه أسماء الأشخاص الذين هم جزء من النظام الحالي ولكنهم قد يقدمون المساعدة فيما يتعلق بتسهيل وتطبيق عملية العدالة الانتقالية.
  • البدء بوضع برنامج تدريب لكوادر النظام القضائي الرسمي وأعضاء النظام القضائي الموازي غير الرسمي والذين سينشطون في كافة أنحاء الدولة. يجب أن يتم التدريب بالتنسيق مع برنامج سيادة القانون، بحيث يساهم التدريب في تدعيم الهدف طويل الأجل وهو سيادة القانون.
  • التعاون مع جهود أخرى ذات صلة مثل مركز العدالة والمساءلة السوري (يرجى الاطلاع على المصادر المختارة) لدعم تدريب وتحضير الجماعات والفاعلين الأوائل الذين سيسهمون في العدالة الانتقالية، وذلك لضمان قدرتهم على إدارة المعلومات والوثائق والأدلة بكفاءة. ولا بد أن يعمل التدريب على تعريفهم بالمبادئ التوجيهية والمعايير المتعارف عليها دولياً في جمع وتنظيم وحفظ البيانات المتعلقة بجهود العدالة الانتقالية المستقبلية.

الاستراتيجية السابعة: التمهيد للّجنة الوطنية للعدالة الانتقالية

  • ستحل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية محل اللجنة التحضيرية مباشرة بعد تغيير النظام. كما يجب إعداد دستور اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بالإضافة إلى تنظيم الأمانة العامة التابعة لها.
  • إعداد ميزانية لمدة سنتين مبدئياً هي المدة الكاملة لتنفيذ عملية العدالة الانتقالية وذلك بالتنسيق مع النظراء المناسبين في مجال الاقتصاد. وضمان التزام أي سلطة مستقبلية بشمول عملية العدالة الانتقالية في الميزانية الوطنية السورية السنوية، بحيث يتم ضمان تمويل هذه العملية بشكل ثابت على المدى الطويل بما يتناسب مع أهميتها بالنسبة لإعادة البناء الوطني وتدعيم سيادة القانون.

2- الأولويات الفوريّة

الاستراتيجية الأولى: تشكيل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية

يوصي مشروع اليوم التالي بتشكيل لجنة وطنية للعدالة الانتقالية (بموجب مرسوم يصدر عن السلطة الانتقالية، حيث أن تشكيل تلك اللجنة سيسبق انتخاب مجلس الشعب الجديد). وستتولى تلك اللجنة مسؤولية جدول أعمال العدالة الانتقالية، وسيكون لها كامل الصلاحيات والاستقلالية في قراراتها وعملياتها.

يتم ترشيح أعضاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية من قبل مكونات مختلفة في المجتمع السوري. ولا بد من تمثيل القطاعات والعناصر التالية: رموز السلطة الثقافية (الزعماء الدينيون، الشخصيات الثقافية التي تحظى بالتقدير، الفنانون والمؤلفون) وممثلوا مجموعات المجتمع المدني (بما فيهم منظمات الشباب والمنظمات النسائية) ومنظمات حقوق الإنسان. وينبغي أن يكون أحد أعضاء اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية من جهاز الأمن (ويجب أن يكون مشهوداً له بالاستقامة والمصداقية)، وعضو آخر من الجهاز القضائي لضمان التنسيق السليم مع السلطات في هذين الجهازين إلى جانب تماسك عملية العدالة الانتقالية. ويجب أن تتم مناقشة وسائل ترشيح اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية والاتفاق عليها أثناء المرحلة المبدئية.

يكون التفويض الرسمي للجنة الوطنية للعدالة الانتقالية هو التنسيق والإشراف على جدول أعمال العدالة الانتقالية على المستوى الوطني وضمان تكامله وتماسكه واتساقه وتنسيق المبادرات والتعامل مع أي اختلافات في صياغة وتنفيذ السياسات. على اللجنة التنسيق مع الوزارات والسلطات المعنية وأن تعمل كفريق متعدد الاختصاصات يدعم كل من له دور في جدول أعمال العدالة الانتقالية.

ستكون هناك أمانة عامة تعمل على دعم اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية (أنظر الشكل 2-2) وتشمل هذه الأمانة عدداً من الخبراء وفرق الدعم في المجالات التالية:

  • القانون/القضاء والتحقيقات الجنائية وحقوق الانسان
  • علم النفس والصدمات والعمل الاجتماعي
  • التاريخ والذاكرة
  • التواصل والتعليم
  • الإعلام والفنون
  • التنسيق مع المجتمع المدني
  • الإدارة والمالية

 الشكل رقم 22: المخطط التنظيمي للعدالة الانتقالية

ومن الموصى به أيضاً أن تقوم اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بفتح مكاتب محلية كي تكون بمثابة بوابات فردية ومتاحة للتواصل مع الجمهور بحيث لا يتعين على الأشخاص زيارة عدة مكاتب للحصول على المعلومات أو تقديم البيانات حول عمليات الإصلاح ولجان التحقيق، وغيرها. ولكي تدعم أعمالها، ستقوم هذه المكاتب المحلية بالاعتماد على المتطوعين وعلى شبكة المجتمع المدني. ستعمل اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية على النطاق المحلي بالاشتراك مع الشبكات القائمة التي تم التعرف عليها أثناء المرحلة التحضيرية إلى جانب لجان سيادة القانون المناطقية (الرجاء مراجعة الفصل الأول).

3– الأشهر القليلة الأولى من المرحلة الانتقالية

أ- تقديم الجناة للعدالة: العمليات القضائية الخاصة، النظامية والموازية.

إن محاكمة من كانت له يد في ارتكاب الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان هي مكون رئيسي من مكونات عمليات العدالة الانتقالية وخطوة مهمة في الاستجابة إلى المطالب بالمساءلة والعدالة. بل أن القانون الدولي الآن ينص على أن التحقيق في ومحاكمة مقترفي الانتهاكات الممنهجة والجسيمة لحقوق الإنسان هو واجب والتزام حتمي على الدول. وتقتضي نزاهة وشرعية المحاكمات أن تكون متماشية مع المعايير القانونية الدولية.

وغالباً ما تكون مبادرات المحاكمة العنصر الأكثر وضوحاً والأهم من حيث الدلالة الرمزية في عملية العدالة الانتقالية. إن الكيفية التي ستتولى فيها حكومة ما بعد الأسد محاكمة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة والمنتظمة لحقوق الإنسان والقوانين الإنسانية الدولية سيكون لها أثر كبير في نجاح العملية الانتقالية في سوريا. إلا أن هناك حدوداً لعدد الأشخاص الذين يمكن التعامل مع قضاياهم بكفاءة وفعالية من خلال المحاكم الخاصة أو المحاكمات الجنائية. وبالتالي، فإن مشروع اليوم التالي يوصي بمجموعة من المبادرات القضائية، بما في ذلك محكمة جنائية خاصة لكبار المسؤولين في نظام الأسد، وإجراءات جنائية عادية، إلى جانب آليات للوساطة وآليات غير رسمية أو تقليدية.

ولا بد من إيلاء اهتمام خاص بتوقيت وتسلسل الإجراءات القضائية. فسوف تواجه حكومة ما بعد الأسد سيلاً من المطالبات الشعبية بالمساءلة والعدالة. كما ستتعرض لضغط دولي للاستجابة بسرعة لالتزاماتها بالتحقيق في ومحاكمة المتورطين في الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي ترعاها، على الرغم من أنه قد لا يتوفر لديها سبل القيام بذلك. كما أن هناك مخاطر على استقرار وعمل وإرساء نظام سياسي ديمقراطي تتمثل في الإجراءات القضائية التي ستطول شرائح واسعة من المجتمع السوري. وسوف يكون من المهم بالنسبة لحكومة ما بعد الأسد أن تحافظ على توازن ما بين هذه الضغوطات المتصارعة.

وعليه، فإن مشروع اليوم التالي يوصي بأن يكون تشكيل  محكمة جنائية خاصة هو الأولوية الأعلى في إطار عمل العدالة الانتقالية. كما يوصي بأن تتم المحاكمة بأسرع وقت ممكن بالنسبة للأشخاص الذين لا تقع الانتهاكات التي ارتكبوها ضمن التفويض الرسمي الصادر لتلك المحكمة المؤقتة، إلا أن جسامتها تستوجب المحاكمة. كما يوصي بأن يتم إنشاءالنطاق الكامل من الآليات والعمليات غير القضائية المقترحة في الخطة الحالية لتعمل جنباً إلى جنب مع الإجراءات القضائية في جدول زمني يحترم حقوق الجميع. ينبغي النظر إلى تلك الآليات على أنها عملياتٍ متزامنة يكمل أحدها الآخر وتساعد في التعامل مع الضغوطات العديدة التي ستبرز أثناء المرحلة الانتقالية.

الاستراتيجية الأولى: تشكيل المحكمة الجنائية الخاصة

يوصي مشروع اليوم التالي بتشكيل محكمة جنائية خاصة على يد حكومة سورية جديدة أو سلطة انتقالية. سوف تعمل المحكمة كهيئة قضائية مؤقتة مستقلة تحت النظام القضائي السوري. وسيشمل نطاق ولايتها الرسمي فقط كبار المسؤولين في نظام الأسد وأفراد عائلته وكبار تابعيهم.

أما تحديد عدد الأشخاص الذين ستتم مقاضاتهم من قبل المحكمة الجنائية الخاصة فسيبقى قيد التقييم. وسيتم وضع الأسس والمعايير لفئات إضافية من الجناة من قبل اللجنة التحضيرية التي تم تناولها أعلاه. كما ستقوم اللجنة التحضيرية، قبل بدء العملية الانتقالية، بجمع المعلومات وصياغة المستندات اللازمة لتحديد القضاة النزيهين الذين بإمكانهم تولي المحاكمات الخاصة إلى جانب وضع عملية للتدقيق لضمان نزاهة وكفاءة موظفي جهاز القضاء. كما ستضطلع اللجنة التحضيرية إلى جانب ذلك بمراجعة القانون الجنائي الحالي وتقييم مدى إمكانية تطبيقه مقارنة بالإجراءات القضائية التي تتوافق مع المعايير والأعراف الدولية.

لقد أخذ مشروع اليوم التالي عدة عناصر بالاعتبار في وضعه التوصيات المتعلقة بالمحكمة الجنائية الخاصة:

استيفاء القواعد الدولية

على المحكمة الجنائية الخاصة أن تكون متماشية مع المعايير والأعراف الدولية وبموجب ذلك تكون حكومات الدول هي المسؤول الأول عن محاكمة مرتكبي الانتهاكات الخطيرة والجسيمة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي ترعاها. كما تم التشديد على أهمية إجراء المحاكم في نفس الدولة التي تم فيها ارتكاب الجرائم. فقد أظهرت تجارب سابقة لدول أخرى أهمية اختيار أرض الدولة للإجراءات القضائية في تعزيز سيادة القانون واسترداد ثقة المواطنين بدولتهم ومؤسساتها.

الحفاظ على السيادة

يعتبر مشروع اليوم التالي أن النظام القضائي السوري لديه القدرة الكافية على ضمان محاكمات عادلة تتماشى مع المعايير والأعراف الدولية، شريطة أن تقوم اللجنة التحضيرية بتصميم عملية تدقيق وانتقاء مناسبة. كما يشدد مشروع اليوم التالي على أهمية الحفاظ على السيادة السورية التامة على كافة العمليات القضائية، وعليه لا ينصح بتشكيل محكمة دولية أو مختلطة، ولهذا أهمية وظيفية ورمزية في آن معاً. فهو سيبرهن للشعب السوري وللمجتمع الدولي قدرة الحكومة السورية الجديدة على العمل بشكل شرعي وعادل. كما يضمن أن كافة الأحداث التي ستقع على مستوى المحكمة الجنائية الخاصة ستبقى مرتبطة بالنظام القضائي الوطني. سيكون الدعم الدولي للإجراءات القضائية محل ترحيب طالما أنه يزيد من شرعية وكفاءة العمليات الوطنية ويفيد النظام ككل.

بيد أن مشروع اليوم التالي يرى بأن نطاق المشاركة الدولية سيتأثر بالظروف المرافقة للعملية الانتقالية، بما في ذلك وضع الجهاز القضائي في سوريا في حينها. فحتى لو لم تتدخل الجهات الفاعلة الدولية بشكل مباشر، إلا أنها قد تفرض شروطاً على إجراءات المحكمة الجنائية الخاصة، وبالأخص إذا كان الدعم المالي الدولي مطلوباً لدعم أعمال المحكمة. وقد تتضمن تلك الشروط على سبيل المثال إلغاء عقوبة الإعدام وتعيين خبراء دوليين في المحكمة الجنائية الخاصة.

تفادي إثقال كاهل النظام القضائي

لقد برزت الحاجة إلى وجود محكمة مؤقتة تركز فقط على من يتحملون المسؤولية الأكبر في تجارب الدول الأخرى. والمحكمة الجنائية الخاصة ستحتاج إلى عمليات قضائية يمكن استكمالها خلال فترة قصيرة نسبياً وبتكلفة محدودة وتتم من خلال قضاة قادرين على العمل تحت ضغط كبير. كما ستتفادى المحكمة الجنائية الخاصة إثقال كاهل الجهاز القضائي القائم في سوريا.

تعزيز سيادة القانون

مع أن المحكمة الجنائية الخاصة ستكون مؤقتة وستقوم بمهمة وحيدة هي محاكمة الجناة ذوي المناصب العليا، إلا أنها لن تكون محكمة استثنائية بأي حال من الأحوال. وسوف تعمل بشكل كامل تحت سيادة القانون السوري.

الاستراتيجية الثانية: إجراء عمليات قضائية وعمليات قضائية موازية بشكل منتظم

سيكون الجناة الذين لا تقع جرائمهم تحت سلطة المحكمة الجنائية الخاصة خاضعين لسلطة النظام القضائي السوري الحالي (يرجى مراجعة الفصل الأول).

كما يوصي مشروع اليوم التالي بدمج العمليات القضائية الموازية الحالية في النظام القضائي الانتقالي، بما في ذلك الآليات التقليدية وغير الرسمية المحلية. والتي قد تقدم أُطُر عمل لمعالجة موروثات محلية من العنف والتعامل مع الجناة ذوي المناصب الأقل. من خلال الجمع ما بين العناصر الجزائية وتلك الإصلاحية للعدالة، ستساعد هذه الآليات على تحميل الجناة ذوي المناصب الأقل المسؤولية عن الانتهاكات السابقة التي ارتكبوها إلى جانب أنها قد تفرض عقوبات غير جنائية أساسها المجتمع مثل التعويض المادي أو الخدمة الاجتماعية. غالباً ما تركز الممارسات المحلية على إعادة بناء العلاقات الاجتماعية في المجتمع، ولكنها تتضمن أيضاً أوجهاً ثأرية واعترافات بالذنب والتعويض والغفران والمصالحة. وأخيراً وليس آخراً، فإن دمج تلك الآليات مع عملية العدالة الانتقالية سيساعد في تفادي إثقال كاهل النظام القضائي. ولا بد من إيلاء اهتمام خاص للمحاكم الثورية التي تم تشكيلها تحت إشراف القادة المناطقيين. وعلى الرغم من أن تلك المحاكم تتعامل عادة مع القضايا المدنية، إلا أن بعضها يتعامل أيضاً مع قضايا جنائية وقضايا انتهاكات حقوق الإنسان.

ستقوم اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بتقييم التطبيقات المحتملة لكافة تلك العمليات على مستوى كل إقليم وكل منطقة على حدة. لا بد من احترام تنوع العمليات القضائية الموازية وعمليات المصالحة القائمة بشكل تام تحت المظلة الجامعة لسيادة القانون. وسيهدف جزء من التقييم إلى ضمان الاحترام التام للأعراف المتعلقة بحقوق الإنسان الدولية.

وللاستفادة القصوى من هذه الآليات المتنوعة، يوصي مشروع اليوم التالي بالإشراف عليها من قبل لجان سيادة القانون المناطقية (يرجى مراجعة الفصل الأول)، وذلك بالتعاون اللصيق مع اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية. كما ينبغي للّجنة الوطنية للعدالة الانتقالية أن تنظم الندوات وبرامج التدريب المتعارف عليها بالنسبة لموظفي الأجهزة القضائية الرسمية والآليات القضائية الموازية غير الرسمية، وذلك بالتعاون مع وزارة العدل. وسيسهّل ذلك تعاون وتكامل الآليات المختلفة.

وفقاً للقانون السوري السائد، سيكون باستطاعة كل من المواطن العادي أو الدولة إحالة القضايا إما  للتحكيم المحلي أو لأي من الآليات القضائية الموازية المتعارف عليها. وفي المقابل، يكون باستطاعة أي طرف استخدام النظام القضائي الرسمي إذا كان القرار الصادر من خلال إحدى العمليات القضائية الموازية غير مقبول.

الاستراتيجية الثالثة: منح العفو المشروط  والإعفاء الانتقائي (تسريح انتقائي من المناصب)

يوصي مشروع اليوم التالي بمنح عفو مشروط، ولكن مع استثناء المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي ترعاها من أي عفو. ويجب أن يشمل ذلك كافة قضايا الاغتصاب والتعذيب والقتل، كما ينبغي وضع مواصفات تفصيلية لذلك من قبل اللجنة التحضيرية أثناء قيامها بوضع مواصفات للفئات المختلفة من الجناة.

كما يوصي مشروع اليوم التالي  بممارسة الغربلة الانتقائية المدروسة بعناية بدلاً من  ، الاجتثاث الكلي لعناصر النظام السابقة كما حدث في العراق بعد الغزو الذي أطاح بنظام صدام حسين.

ب- البحث عن الحقيقة والتعويض والمصالحة: العمليات غير القضائية

الاستراتيجية الأولى: تأسيس لجنة تقصي الحقائق

يوصي مشروع اليوم التالي بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق للبحث عن حقائق مشتركة حول الانتهاكات السابقة وأنماط العنف. ولا بد من تمكين تلك اللجنة من جمع الإفادات من الضحايا والشهود وإجراء الأبحاث ووضع وصيانة نظام وطني فعال للتوثيق وإقامة الجلسات العلنية وإشراك السوريين في عمليات الحوار والتشاور وتوظيف كافة الآليات المناسبة الأخرى للتّثبت من الحقائق المتعلقة بالانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي ترعاها، ومن ثم إتاحة تلك الحقائق للشعب. وستقوم اللجنة التحضيرية باتخاذ القرارات الخاصة بتشكيل لجنة تقصي الحقائق ونماذجها وتفويضاتها الرسمية. لا بد أن تكون لجنة تقصي الحقائق خاضعة للإشراف المباشر للّجنة الوطنية للعدالة الانتقالية.

يوصي مشروع اليوم التالي بتشكيل لجنتين فرعيتين تحت إدارة لجنة تقصي الحقائق تعملان بالتوازي والتزامن مع بعضهما البعض وتتمتعان بالكوادر والموارد اللازمة الخاصة بكل منهما. ستكون إحداهما تاريخية تتعامل مع الفترة التي سبقت الثورة؛ والأخرى ستتعامل مع فترة الثورة نفسها. وسيسمح هذا بوجود مرونة في التعاطي مع فترات مختلفة من العنف ويساعد على إيصال رسالة إلى كافة السوريين بأن كلمتهم مسموعة.

يوصي مشروع اليوم التالي بأن تقوم اللجان الفرعية بالاهتمام بالأمور التالية:

  • الإلمام بالأعراف والإرث الثقافي والإقليمي في المناطق المختلفة بشكل ديناميكي يغلب عليه طابع المشاركة ويدعمه حضور مكاتب مناطقية للعدالة الانتقالية تعمل بالتعاون مع شبكات المجتمع المدني ولجان سيادة القانون المناطقية.
  • التعرف على العوامل التاريخية والهيكلية والمؤسسية التي سمحت بتطور نظام يتسم بالعنف والقمع إلى جانب الأبعاد الاجتماعية – الاقتصادية لذلك القمع (بما في ذلك انتهاك حقوق الملكية).
  • المساهمة في خلق إحساس جديد بالمواطنة بين كافة السوريين  نابع من تاريخ مشترك وعملية مصالحة وطنية بناءا على نظرة مستقبلية ورؤية إيجابية بحيث يصبح المجتمع السوري ككل قادراً على اعتناق مستقبل مشترك معاً.
  • الإلمام بتاريخ الثورة وبحلقات النضال السابقة ضد النظام إلى جانب تاريخ القمع والانتهاكات، بحيث تصبح كلها جزءاً من رواية مشتركة جديدة تعزز الوحدة والبنية الاجتماعية التي تطورت أثناء الثورة.
  • توزيع نتائج هذه الدراسات على العامة في تعبير عن مبادئ الشفافية والمشاركة والمساءلة.

كجزء من عملية تقصي الحقائق، لا بد من القيام بأعمال تحضيرية لتأسيس مؤسسة مستقلة متخصصة بإدارة ونشر ملفات الأمن الداخلي على أساس التشريعات ذات الصلة كالقانون الذي صدر في ألمانيا الموحدة بعد انهيار ألمانيا الشرقية.

الاستراتيجية الثانية: تقديم التعويضات

يشجع مشروع اليوم التالي المبدأ القائل بأن التعويض هو حق من حقوق السوريين الذين وقعوا ضحايا للانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان والقوانين الدولية التي ترعاها. كما أنه يقر بالقيمة المحتملة للتعويض كوسيلة للمصالحة في سياق ثقافة لطالما قبلت بالتعويض عن الوفاة أو الإصابة كوسيلة لإرضاء مطالب الضحايا و/أو أُسرهم.

وقد يتّخذ التعويض عدة أشكال، ويعتبر التعويض المالي وجهاً واحداً فقط من أوجه التعويض. هناك مجال واسع من الآليات الأخرى المتوفرة للإقرار  بانتهاكات معينة والاعتذار والتعويض عنها. ولا بد أن تقدم برامج التعويض مزيجاً من التعويض المادي والامتيازات الرمزية للضحايا والتي قد تشمل التعويضات المالية (بشكل رواتب تصرف للأرامل والأيتام) ومعاشات تقاعدية ومنح دراسية إلى جانب تقديم الدعم النفسي. وتتضمن الإجراءات الرمزية اعترافاً واعتذاراً رسمياً من رئيس الدولة باسم المجتمع السوري عن كافة الأخطاء التي تم ارتكابها بحق الضحايا، بالإضافة إلى مبادرات تخليد ذكرى الضحايا.

وعلى وجه التحديد، لا بد أن يشمل التعويض مزيجاً من:

  • إعادة الحقوق: والهدف منه هو إعادة وضح الضحايا إلى ما كان عليه قبل وقوع الضرر. ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تشكل جزءاً من عملية إعادة الحقوق هي إعادة حق الحرية والمواطنة، بالإضافة إلى إعادة الأملاك (الأراضي، الشركات، إلخ.)
  • التعويض: والذي غالباً ما يُنظر إليه على أنه مبلغ مادي يعتبر مقابلاً عادلاً لكافة أشكال الضرر القابلة للقياس، بما في ذلك الضرر الاقتصادي والنفسي والمعنوي.
  • إعادة التأهيل: ومن ذلك اتخاذ إجراءات مثل الرعاية الطبية والنفسية اللازمة إلى جانب خدمات الدعم القانوني والاجتماعي.
  • الرضا وضمانات عدم التكرار: وتتضمن هذه الفئات التي تعتبر واسعة النطاق إجراءات متباينة مثل وقف الانتهاكات؛ التثبّت من الحقائق والاعتذارات الرسمية والأحكام القضائية الساعية إلى رد كرامة الضحايا وتنقية سمعتهم؛ الإفصاح التام عن الحقيقة أمام الشعب؛ البحث عن والتعرف على وإعادة جثث القتلى أو العثور على المفقودين؛ تطبيق العقوبات القضائية والإدارية بحق الجناة، بالإضافة إلى كافة إجراءات الإصلاح المؤسسي، وكل ذلك بهدف إعطاء وعود بعدم تكرار تلك الفظاعات.

ومن هذا المنطلق، لا بد أن يكون كامل جدول أعمال العدالة الانتقالية موجهاً نحو الإصلاح والتعويض. إلا أن تصميم وتطبيق برامج الإصلاح في سياق سوريا ما بعد الأسد سيواجه تحديات عظيمة. وقد أورد مشروع اليوم التالي عدداً من المخاوف المتعلقة بالإصلاح:

الإصلاح الفردي مقابل الإصلاح الجماعي: قد تؤدي عملية الإصلاح إلى التفرقة إذا ما ركّزت فقط على الضرر الذي تعرض له الضحايا كأفراد في سياق يُعد فيه المجتمع السوري بأكمله ضحية للضرر الناتج عن الممارسات القمعية والتعسفية التي ارتكبها نظام الأسد. وبالتالي، يشدد مشروع اليوم التالي على أهمية الإصلاح الجماعي والرمزي مثل الاعتذارات الرسمية ومبادرات إحياء وتخليد ذكرى الضحايا وإنشاء المتاحف وغيرها. ويوصي مشروع اليوم التالي بتوفير برامج للاقتصاد والخدمات وإعادة البناء يكون تركيزها منصباً على المجتمع كوسائل محتملة للإصلاح في الحالات المناسبة. سيكون التعاون اللصيق مع وزارة الاقتصاد المستقبلية (إلى جانب وزارة التعليم من أجل المنح الدراسية) ضرورياً. كما ينبغي اتخاذ خطوات رمزية على مستوى المجتمع كخيارات مثل استخدام الاعتذارات الرسمية ومبادرات إحياء الذكرى وإقامة المتاحف المحلية، وغير ذلك.

التسلسل الهرمي للضحايا: قد تحتل بعض فئات الضحايا موقع الأولوية بالنسبة لعملية الإصلاح، وذلك بناء على مدى قسوة ما تعرضوا له. وفي أي سياق، فإن العملية  الاصطلاحية والسياسية لتعريف معنى “الضحية” هي عملية مثيرة للجدل، وقد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار؛ وهذا الأمر ينطبق على سوريا بالفعل. ففي حالات العدالة الانتقالية الأخرى، كان من بين التحديات اختيار من الذي سيتم تعويضه وقيمة التعويض الذي ينبغي تقديمه وما هي الإصابات التي سيتم التعويض عنها وكيفية حساب كم الضرر الذي وقع ومقارنته وتوزيع التعويضات. في معظم الحالات، تسببت سياسات الإصلاح في مشاعر الإحباط بين الضحايا وأقاربهم. ولذا يوصي مشروع اليوم التالي أن يتم توظيف المواصفات المستخدمة في التمييز بين فئات الجرائم المختلفة في التمييز أيضاً ما بين الفئات التالية: كل من كانت قضيته قابلة للنظر في محكمة سيكون له حق في التعويض الفردي بناء على قرار من المحكمة. أما القضايا الخاضعة  للتحكيم المحلي أو العمليات القضائية الموازية، فسوف تتبع القرارات الصادرة عن تلك الآليات.

عدم كفاية الموارد: سيكون من الصعب تأمين الموارد المالية اللازمة لتوفير التعويض المالي للعدد الكبير من ضحايا النظام السوري الذين امتدت معاناتهم على مدى عقود من الزمان. يوصي مشروع اليوم التالي بتكوين صندوق ائتمان خاص لتمويل برنامج التعويض. ولا بد من بذل الجهود في وقت مبكر لضمان توافر الأموال من متبرعين دوليين (بما في ذلك تمويل البرامج المجتمعية). ويمكن فرض ضريبة وطنية خاصة لتمويل هذه المساعي طويلة الأجل الضرورية من أجل مصالحة المجتمع السوري.

الاستراتيجية الثالثة: تطوير مناهج تعليم التاريخ.

يوصي مشروع اليوم التالي بأن تقوم اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بتأسيس مكتب يتولى مهمة تطوير مناهج تعليم التاريخ والتوعية به بالتنسيق مع وزارة التعليم. وتعتبر مناهج تعليم التاريخ والكتب الخاصة بها بعداً هاماً من أبعاد العدالة الانتقالية. يمكن لتعليم التاريخ أن يبث أفكار المواطنة والحث على التسامح والشمول وتعليم حل النزاعات بوسائل سلمية ومساعدة التلاميذ على التعبير عن والتعامل مع وقبول الاختلافات ما بين وضمن المجموعات (يرجى الرجوع إلى المصادر المختارة). يحتل تعليم التاريخ موقعاً خاصاً في عملية المصالحة لأنه ذو نطاق واسع يصل إلى كافة المواطنين ويمتد إلى المؤسسات المناطقية مثل المدارس وهو موجه لجيل الشباب.

وعلى وجه التحديد، لا بد لفريق مناهج تعليم التاريخ أن يقوم بما يلي:

  • العمل بالتعاون مع الفرق المسؤولة عن الإشراف على العمليات القضائية والموازية للقضاء ولجان تقصي الحقائق لضمان دمج ما يتوصلون إليه مع المناهج الدراسية والمواد التعليمية.
  • دعم نسخة مبدئية من الكتب والمناهج (بانتظار نشر مواد تاريخية إضافية) للتأكد من أنها تشجع على تفهم أكبر ومشترك لاختلافات الثقافة والهوية ضمن إطار أوسع من التسامح، ودعم تطوير المهارات والقيم والمعايير والمواقف والسلوكيات التي تشجع على احترام كرامة الإنسان والتنوع.
  • تنظيم ندوات للمدرسين، بالتعاون مع وزارة التعليم، لضمان إصلاحات تربوية، ما بعد الإصلاحات المنهجية، تعكس قيم المجتمع السوري الجديد.
  • تسهيل ودعم تنظيم المناظرات المتعلقة بقضايا العدالة الانتقالية في نظام التعليم الوطني.
  • تسهيل مشاركة المجتمع المدني في مناقشات حول التاريخ وتعليم التاريخ.
  • تسهيل الاتصال بالشبكات الدولية إلى جانب تبادل المعرفة دولياً فيما يتعلق بقضايا الإصلاح التعليمي.

الاستراتيجية الرابعة: مبادرات تخليد الذكرى.

يوصي مشروع اليوم التالي بأن تقوم اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية بتأسيس مكتب لابتكار ودعم مبادرات تخليد الذكرى لإحياء وتكريم ذكرى الأحداث والأشخاص. وقد تشمل هذه المبادرات النصب التذكارية والمواقع التذكارية والمتاحف والأيام والاحتفالات التكريمية، كما يمكن أن تشمل إعادة تسمية المرافق العامة والشوارع والأماكن بأسماء الضحايا. يلعب تخليد الذكرى دوراً في المصالحة، بحيث يمثل إقراراً رسمياً بالتجارب التي مر بها الضحايا، ويأخذ بعين الاعتبار عدة تصورات. كما يمكن لتخليد الذكرى المساعدة في منع تكرار الانتهاكات من خلال تذكير الجميع بما حصل في الماضي. إلى جانب ذلك، وكما ورد أعلاه، فإن تخليد الذكرى هو ايضاً نوع من التعويض الرمزي. وبالتالي، فإن تخليد الذكرى هو جزء مهم من عملية العدالة الانتقالية.

بعض المبادئ الأساسية التي يجب الاستدلال بها لتنظيم هذه الأعمال:

  • لا بد من إيلاء الاهتمام بالمبادرات الوطنية منها والمناطقية والرسمية والتأسيسية بكامل نطاقاتها. وقد تتفاوت مبادرات تخليد الذكرى التي تساهم في المصالحة الوطنية ما بين النصب التذكارية الوطنية والمتاحف والمعالم التي يتم تطويرها مع الوقت، أو النصب التذكارية المجتمعية والمعارض المؤقتة وبطاقات التعزية والورود وصور الضحايا في المواقع التي لاقوا حتفهم أو اختفوا فيها.
  • في كافة الأحوال، لا بد من إيلاء اهتمام خاص بالعمليات التي يتم تخليد الذكرى من خلالها بحيث يتم احترام كافة المصالح ووجهات النظر والتصورات وأخذها بعين الاعتبار. ستكون برامج التوعية العامة والتعليم مهمة للغاية في المساعدة على خلق المعنى وبناء العهد والاعتراف.
  • ينبغي التشجيع على أنواع مختلفة من الجهود الفنية كالمسرح والقصص التاريخية والرقص والموسيقى والرسم ومعارض الصور واللوحات الفنية والإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية ودعم تلك الجهود للمساهمة في تذكّر الماضي وإعادة الصياغة الصادقة للتاريخ السوري وانتقاد الماضي في أوساط المواطنين السوريين.

الاستراتيجية الخامسة: تقديم الدعم النفسي – الاجتماعي

لا بد من التعامل مع النتائج الفردية والجماعية للصدمات، حيث علمتنا الخبرة في حالات أخرى أن هناك ارتباط بين التعرض للإصابة والقدرة على المشاركة الكاملة في الانتقال. كما برزت أيضاً من خلال تلك التجارب السابقة الآثار الجماعية للصدمات. وبالتالي، لا بد أن يكون الدعم النفسي – الاجتماعي جزءاً لا يتجزأ من الإصلاح الاجتماعي في المجتمع السوري.

يوصي مشروع اليوم التالي أن تقوم الحكومة الانتقالية بتوفير الكوادر والموارد الكافية لدعم المساعدة النفسية – الاجتماعية في كافة أرجاء الدولة مع وجود تنوع في الخدمات المتاحة للشعب السوري. كما يوصي المشروع بأن تقوم اللجنة الوطنية بتأسيس مكتب لخدمات الدعم النفسي – الاجتماعي بالتنسيق مع وزارة الصحة.

لا بد من إيلاء اهتمام خاص بتفادي  تكرار تكريس المعاناة التي يمكن أن تقع جرّاء توظيف بعض آليات العدالة الانتقالية بما في ذلك ما يكون أثناء سرد الانتهاكات التي تعرض لها الضحايا على أيدي الجناة. كما أن من الضروري منع تكرار حدوث مثل هذه المتلازمات النفسية وتكررها لاحقا من جراء الصدمات والإصابات التي تعرض لها أولئك  الذين كانوا في طليعة نضال المعارضة. فهؤلاء الأشخاص قد يتعرضون إلى أشكال حادة من متلازمة التوتر ما بعد الإصابة مع خطر يتمثل في عدم قدرتهم على المشاركة في اللحظة التي يكون المجتمع فيها أحوج ما يكون إلى مشاركتهم وقيادتهم.

الاستراتيجية السادسة: المشاركة في الحوار والتواصل الوطني

تماشياً مع الأعراف والتجارب الدولية، فإن مشروع اليوم التالي يدعم تطوير آليات وإجراءات لضمان مشاركة الشعب بشكل واسع النطاق في التعرف على الاحتياجات والأولويات وفي تشكيل تصميم عملية العدالة الانتقالية في كل منطقة وكل موقع. وستعمل القنوات والآليات المختلفة – مثل الإعلام والنظام التعليمي ووسائل التعبير الأخرى من خلال الفن والثقافة كالمسرح والموسيقى والفنون البصرية – على  التشجيع بالمشاركة الفعالة لكافة عناصر المجتمع السوري. يوصي مشروع اليوم التالي بوضع برنامج لدعم هذه النشاطات وبشكل سريع مع تخصيص فريق عمل وميزانية لتطبيقها.

2.6. المصادر المختارة

Bush, Kenneth D. and Diane Saltarelli. The Two Faces of Ethnic Conflict: Towards a Peacebuilding Education for Children. Florence, Italy: UNICEF Innocenti Research Center, 2000.

Cole, Elizabeth A., ed. Teaching the Violent Past: History Education and Reconciliation. Lanham, MD: 2007.

Hein, Laura and Mark Selden. Censoring History. Armonk, NY: Sharpe, 2000.

Syria Justice and Accountability Centre http://syriaaccountability.org/ [July 2012]

United Nations General Assembly. “Basic Principles and Guidelines on the Right to a Remedy and Reparation for Victims of Gross Violations of International Human Rights Law and Serious Violations of International Humanitarian Law” (December 2005). Available at: http://www2.ohchr.org/english/law/remedy.htm [July 2012]

United Nations, Guidance Note of the Secretary-General.United Nations Approach to Transitional Justice. March 2010. Available at:

http://www.unrol.org/files/TJ_Guidance_Note_March_2010FINAL.pdf  [July 2012]

United Nations Human Rights Council.Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic, UN General Assembly, Human Rights Council, Nineteenth Session (February 22, 2012). Available at: http://www.ohchr.org/Documents/HRBodies/HRCouncil/RegularSession/Session19/A-HRC-19-69.pdf [July 2012]

United Nations Security Council.The Rule of Law and Transitional in Conflict and Post-Conflict Societies (August 2004)

Available at: http://daccess-dds-ny.un.org/doc/UNDOC/GEN/N04/395/29/PDF/N0439529.pdf?OpenElement [July 2012]